مقدمة:

لا يخفى عليكم أن العالم قد اهتز بأسره فجأة، و على إثر أزمة صحية لازال صيتها يدوي في في كل بقاع الأرض، حيث أصبحت الإنسانية ،ما بين ساعة و ضحاها رهينة  كائن مجهري يهدد بإسقاط أعداد مهولة من القتلى، مما فرض على العديد من الحكومات إتخاد تدابير إحترازية جذرية ما لبثت أن ألزمت الجميع بيوتهم ، مكسرة أغلب عاداتنا ليومية. منذ الأيام الأولى من الأزمة سيطر الخوف على القلوب مع سؤال عريض: يا ترى هل سننجو؟ أم أن ساعتنا قد دقت؟ هل تكون هذه هي النهاية؟ أسئلة جعلت الكثير يتساءل عن جدوى الحياة و معناها و يغوص في تدبر عميق حول الإنجازات التي تم تحقيقها سواء على المستوى الشخصي، أو بصفة عامة و مدى المنفعة التي جلبتها للإنسانية. سؤال يجد جذوره في نداء الروح المتعطش للخير و الحب و السلام. فهل ستستمر هذه اليقظة بعد انتهاء الحجر الصحي و العودة إلى الأنشطة اليومية المعتادة؟ أم أن بذور التصالح مع الروح بالسعي إلى إحياء العلاقة مع الخالق و إتخاد تدابير حقيقية لإبداء الإحترام اللائق لكل المخلوقات ستستمر في النمو لتثمر الإنسانية السامية المتخلقة التي تتطلع إليها القلوب و الأرواح؟

الإنسانية خلال كوفيد 19، ما بين الأزمة و اليقظة الروحية:

إن تدبر الأثر الذي خلفته أزمة كوفيد في أعماقنا يفضي إلى إحساس رهيب بالخوف من الموت.  بينما تميزت الأيام الأولى للأزمة و على المستوى الكوني بالتهافت على اقتناء المواد الغذائية و مواد التنظيف مما ينم عن حاجة نفسية ملحة يمليها الحرص على البقاء و التحرز من الهلاك جوعا أو بسبب تسرب الفيروس إلى البيوت نتيجة لنقص التعقيم، تسارعت وتيرة الأحداث، و بسرعة لتنحصر حركة الإنسان بين جدران بيته مخلفة عزلة كانت مدهشة بقدر ما هي حزينة. حزينة لما فرضته من ألم البعد عن افراد العائلة و زملاء العمل و الأصدقاء ، بالإضافة إلى توقف الكثير من الأنشطة اليومية التي تشكل عادات تشعرنا بالراحة لمجرد تواترها بنفس الإيقاع يوما بعد يوم، و اندهاش لاضطرارنا إلى مواجهة حقائق كثيرة عن أنفسنا، لم نكن لنفكر فيها في الظروف العادية تتجلى في يقظة روحية تهفو إلى الرجوع إلى كل ما هو أساسي.

إذا كان الموت يترصدنا بهذه الشراسة و هو حقا يترصدنا، إذ أن مآل كل كائن سواء طال الزمان أم قصر هو الموت،  فنحن فقط عابري سبيل على هذه الأرض و لن نلبث أن نرحل. أدت هذه العزلة إلى وقوف الإنسانية  وجها لوجه أمام أربع حقائق سيكون من المؤسف أن نضيعها بعد انتهاء الحجر الصحي ، و ما نرجوه من انحصار تهديد الإصابة بالكوفيد 19.

  1. الحقيقة الأولى: النزعة الإستهلاكية و الولع بتكديس الأشياء.

توصل الكثير منا إلى حقيقة عدم جدوى الكثير من المقتنيات التي تملؤ خزائن ملابسنا ، بل و بيوتنا و بأننا نحتاج فقط إلى القليل، كما أن ما دئبنا عليه من ارتياد المتاجر بصفة دورية، و في بعض الأحيان دون هدف واضح، هو ربما استجابة لفراغ روحي نحاول ملأه عبثا بإرضاء أنفسنا باقتناء المزيد من الأشياء. هذا الفراغ الروحي قد يجد الترياق المناسب في المشاركة و العطاء. فعلينا حقا أن نستوعب حقيقة أن السعادة الحقيقية تكمن في التفريج عن المكروبين و إدخال الفرحة على المحتاجين و المعوزين. الإنسانية حقا أمام تحدي تدبير أفضل للموارد المادية و الإبتعاد عن الاستهلاك الغير الرشيد، خاصة و أن من يعيشون على حافة الفقر و يحتاجون إلى بعض ضروريات الحياة من مأكل أو مشرب أو ملبس ناهيك عن فقدانهم بيتا يأويهم أو دواء لعلاج أمراضهم حقا كثر.

  1. الحقيقة الثانية: قيمة العلاقات الإنسانية:

أنتج الحجر الصحي ظرفية خاصة  فرضت ملازمة من يعيشون معا في البيت الواحد بعضهم البعض، مما أدى في بعض الأحيان إلى احتكاكات، و في أحيان أخرى إلى لحظات سعادة غامرة، خاصة بعد أن صار للمشاركة طعم آخر بعيدا عن التوتر اليومي خلال الأيام العادية. و بما أن الكثيرين استمروا في مزاولة انشطتهم المهنية من داخل البيوت فإن هذه الأوقات كانت لها قيمة نوعية لا كمية تجد قوتها في الشعور بالآخر و الحرص على راحة الجميع داخل الأسرة، مما عزز يقيننا بأهمية إنشاء علاقات إنسانية وطيدة مع من نشاركهم حياتنا اليومية بالحرص على تعلم مهارات الإستماع اليقظ و التعاطف الإيجابي و احترام الآخر. هذا العطاء النوعي يساهم في بناء علاقات مريحة لا تلبث أن تعطي ثمارها، خاصة في دائرة الأسرة الصغيرة التي تشكل حصنا منيعا يوفر الحماية و الحب و الرعاية التي يحتاج إليها كل فرد على حدة، و بذلك يعتبر تعهدها من الأولويات. ويجب التأكيد هنا على الإهتمام بإصلاح ما اعترى الأسرة من تشتت بسبب إهمال الجانب الإنساني و التركيز على توفير الحاجيات بل و الكماليات المادية على حساب بذل الجهد  لانشاء علاقات طيبة تنتج الجو العائلي المناسب لنمو أطفال أسوياء من جهة، و إغناء تجربة الأبوة و الأمومة بالإستمتاع بمصاحبة الأبناء بما يرافقها من مفاجآت بكل فترات نموهم العقلي و الجسدي مما لا يمكن تحقيقه إلا في ظل رابطة زوجية متينة يسودها الاحترام و التقدير المتبادل. و على نفس النمط فعلينا إعادة النظر في دور الأبناء إتجاه الآباء، إذ أن الكثير من السعادة تكمن في رفقة الوالدين و مشاركتهم كل اللحظات و الإعتياد على رعايتهم و الحرص على راحتهم. إن إنشاء جو عائلي ملؤه الإحترام و المشاركة و الحب هي مدرسة كفيلة بإنتاج دوائر مجتمعية أكبر تسمو بعلاقات مبنية على الخلق الكريم و الابتعاد عن المشاحنات و الظلم.

  1. الحقيقة الثالثة: إحترام الطبيعة و المخلوقات:

 كانت لملاحظة ما خلفه تقليص الأنشطة الإنسانية الإقتصادية و الصناعية و الحد من حركتهم من أثر طيب على الطبيعة الوقع الكبير علينا، إذ أننا وقفنا أمام حقيقة أننا عناصر إفساد لمنظومة البيئة التي تحتوينا. إذ كيف تكون الطبيعة شاكرة لغيابنا و نحن نشكل أو على الأقل نعتقد أننا نشكل عنصرا جوهريا فيها ، فبيدنا إصلاحها أو على الأقل الحرص على المحافظة عليها؟ سؤال مع ألف علامة استفهام يضع قيمتة الإنسان المضافة في هذا الكون محط الشك و الريبة و يدفعنا إلى مراجعة سلوكنا اتجاه البيئة.

  1. الحقيقة الرابعة : الحاجة إلى اللجوء إلى الله:

في أوقات الأزمات و الشدائد نوقن بحاجتنا إلى اللجوء إلى من بيده تفريج كربنا و تخفيف آلامنا إذ يضل من ندعو إلا إياه. فالخوف من أن يصيبنا المرض و التوجس من كل حركة قد تؤدي إلى انتقال الفيروس إلينا أدى إلى حالة  من الهلع الشديد و الإضطراب النفسي الذي لم يخففه إلا الدعاء و التضرع إلى الله أن يرفع عنا البلاء و يقينا شر الأسقام. إن الأثر الطيب للجوء إلى الله يعمر قلوبنا بالسكينة و الإطمئنان و يوفر طاقة إيجابية تعيننا على تجاوز شعور الجزع و الخوف و تمدنا بالتصميم على رفع التحديلت و إيجاد الحلول و الإستمرار في تحقيق أهدافنا الشخصية كيفما كانت الأحوال، ليس فقط خلال التعرض لخطر الإصابة  بكوفيد 19 بل في كل أزمة قد تتهدد حياتنا. هذه الحقيقة تدفعنا إلى تسخير وقت أكبر للتدبر و التفكر في آيات الله و وضع الشعائر الدينية في قلب حياتنا اليومية، فبالإضافة إلى ما تضفيه على حياتنا من السعادة و السمو الروحي فهي تذكرنا بواجب شكر النعم بالمحافظة عليها، فهناك تكمن شروط سمو إنسانيتنا.

خاتمة:

إن محنة :كوفيد 19 تجربة إنسانية يجب أن نعريها ما يلزم من التدبر و لاريب أن اليقظة الروحية تشكل محركا متينا لتحقيق أي تغيير إيجابي. إن كل ما مررنا به من أحداث و ما ترتب عليه من أفكار و أحاسيس هزت كياننا الداخلي هو حقا منحة في قلب محنة علينا تعهدها بالمزيد من الإرادة و العزم على تحويل هذه اليقظة الروحية إلى وعي جماعي لتستمر معنا، دافعة بنا نحو إنسانية سامية متخلقة و خلوقة قادرة على بناء غد أفضل.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *